الشنقيطي

153

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وفي رواية للجماعة عن ابن مسعود قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره ، فإنه يؤذن - أو قال : ينادي بليل ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم » « 1 » . قال الشوكاني : يريد القائم المتهجد إلى راحته ليقوم إلى صلاة الصبح نشيطا أو يتسحر ، إن كان له حاجة إلى الصيام ، ويوقظ النائم ليتأهب للصلاة بالغسل والوضوء ، فالأول يشعر بتواليهما مع فرق يسير ، والآخر يدل بالفرق بينهما ، وكلاهما صحيح السند . وقد فسر هذا النووي في شرح مسلم ونقله عنه الشوكاني في نيل الأوطار بقوله : قال العلماء معناه : إن بلالا كان يؤذن قبل الفجر ، ويتربص بعد أذانه للدعاء ونحوه ، ثم يرقب الفجر ، فإذا قارب طلوعه نزل فأخبر ابن أم مكتوم فيتأهب ابن أم مكتوم بالطهارة وغيرها ، ثم يرقى ويشرع في الأذان مع أول طلوع الفجر ، وهذا يتفق مع قوله صلى اللّه عليه وسلم : « ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم » إلى آخره ، ويصدقه ما جاء في الأثر أيضا عن ابن مكتوم وكان رجلا أعمى فلا يؤذن حتى يقال له : أصبحت أصبحت ، وهذا الأذان الأول للفجر هو مذهب الجمهور ما عدا الإمام أبا حنيفة رحمه اللّه من الأئمة الأربعة ، وحمل أذان بلال على النداء بغير ألفاظ الأذان . قال الشوكاني : وعند الأحناف أن أبا حنيفة رحمه اللّه لما أذن بلال قبل الوقت أمره النّبي صلى اللّه عليه وسلم أن يرجع فيقول : إلا أن العبد قد نام ، وهذا الأثر رواه الترمذي وقال حديث غير محفوظ . وفي فتح القدير للأحناف ، ما نصه : ولا يؤذن لصلاة قبل دخول وقتها ، ويعاد في الوقت . وقال أبو يوسف : يجوز للفجر في النصف الأخير من الليل ، قال في الشرح : وهو قول الشافعي ، وقال : لتوارث أهل الحرمين ، فيكون أبو يوسف صاحب أبي حنيفة رحمهما اللّه قد وافق الجمهور في مشروعية الأذان قبل الفجر قبل الوقت ، وإن ما استدل به أن أبو حنيفة ليس بمحفوظ ، وقد جوزه أبو يوسف في النصف الأخير من الليل .

--> ( 1 ) أخرجه : البخاري في الأذان والجماعة حديث 621 ، ومسلم في الصيام حديث 39 ، وأبو داود في الصوم حديث 2347 ، والنسائي في الصوم ، باب كيف الفجر ، وابن ماجة في الصيام حديث 1696 ، وأحمد في المسند 1 / 386 ، 392 ، 435 .